فتوى حول: فضل تحفيظ القرآن الكريم، وحفظه

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه، ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وبعد

ففي ظلّ توجهات وأفكار بدأت تنتشر، حول أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يأمرا بتحفيظ القرآن الكريم، وأن إرهاق الأطفال بذلك، لم يفعله الصحابة، وقد وردتنا أسئلة واستفسارات طلبوا فيها بيان الحكم الفقهي العلمي في هذا الشأن، حتى يرجعوا إلى قومهم بها لعلهم يرشدون.

وللجواب عن ذلك، نقول:

إن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي تكفل الله بحفظه، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر / الآية 9، كما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمته بحفظ القرآن الكريم لفظًا ومعنى، وحرفًا وكلمة، وجملة.

فقد بدأ سيدنا جبريل عليه السلام بتلاوة بداية سورة اقرأ (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ) سورة اقرأ / الآية 1-5، وتكرارها ثلاث مرات، وتلقينها الرسول صلى الله عليه حتى حفظها. يراجع صحيح البخاري (3، 6982) ومسلم (160) والسيرة النبوية لابن هشام (1/252-253).

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حفظ القرآن كله؛ لأن الحفظ هو الوسيلة الوحيدة لتبليغ القرآن الكريم، لأنه كان أميًا غير قارئ في الكتب، كما كان حريصًا على المراجعة الدورية لتثبيت حفظه، وذلك من خلال عرضه على جبريل عليه السلام في كل عام مرة، ثم مرتين في السنة التي توفي فيها صلى الله عليه وسلم. يراجع: الاتقان للسيوطي (1/104) ط. مكتبة الهلال.

وقد قام الصحابة بحفظ القرآن الكريم كله، أو بعضه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأمرهم بقراءة القرآن الكريم، بل إن الصلاة لا تصح إلاّ بقراءة الفاتحة، وبناء على ذلك، وعلى أن غالبهم الأعظم لم يكونوا من القادرين على القراءة من الكتاب فإنهم كانوا يحفظون ما يقدرون عليه، بل كانت العرب تعتمد على الحفظ قبل الإسلام، وبعده، ولهم قدرة غريبة على الحفظ، إلى أن انتشرت الكتابة فيما بعد.

وهكذا كان عصر التابعين ومَنْ تبعهم بإحسان إلى اليوم، فاهتموا الاهتمام الأعظم بالقرآن الكريم تعليمًا وقراءة وحفظًا وفهمًا وتدبرًا وتفسيرًا، ولم يكن ذلك مقصورًا على عامة الناس، بل كان معظم الخلفاء المسلمين يولون هذه العناية لحفظ القرآن الكريم، ويدفعون بأولادهم الصغار لتعلمه وحفظه، بل إن كثيرًا من الفقهاء اشترطوا في الاجتهاد المقبول: أن يكون صاحبه حافظًا للقرآن الكريم، وكذلك كان المعلمون في تلك العصور – مثل القابسي – يقومون بتحفيظ القرآن الكريم، فلا يسمحون للطالب أن ينتقل من سورة إلى أخرى حتى يحفظ سابقتها بإتقان، بل إن الخطيب البغدادي (ت463ه) كان ينتظم في حفظ القرآن الكريم، فوضع جدولاً للحفظ والمذاكرة. يراجع: الفقيه والمتفقه (2/102-131) ط. الرياض.

والخلاصة

  • بناء على متابعتنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولخلفائه الراشدين، ولمن تبعهم بإحسان إلى اليوم، توصلنا إلى أن حفظ القرآن الكريم كاملاً فرض كفاية على الأمة الإسلامية، أي أن يكون عدد كاف ممن يحفظونه بدقة واتقان، يقول الإمام السيوطي في الاتقان (1/247): (اعلم أن حفظ القرآن الكريم فرض كفاية على الأمة، صرّح به الجرجاني في الشافي، والعبادي، وغيرهما).
  • وبالإضافة إلى ذلك وجوب حفظ فاتحة الكتاب لكل مَنْ تجب عليه الصلاة، بمن فيهم الأطفال الذين يؤمرون بالصلاة عند بلوغهم سن السبع.
  • كما يدل على أهمية حفظ القرآن الكريم أن مَنْ هو أكثر حفظًا هو الأولى بالتقدم في إمامة الصلاة، فقد ورد في الحديث الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) أي أكثرهم حفظًا له. يراجع: صحيح مسلم (673) وسنن أبي داود (582) والترمذي (235) والنسائي (780) وابن ماجه (980) وأحمد (17063).
  • وأن حفظ جميع القرآن الكريم مستحب بالإجماع، جاء في حاشية الروض المربع (2/207): (يستحب حفظ القرآن الكريم إجماعًا، وفيه فضل عظيم، وحفظه فرض كفاية إجماعًا، ويجب منه ما يجب في الصلاة).
  • وذكر الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/167): (.. ولكن أقول: إن ذلك – أي حفظ القرآن- واجب لازم على مَنْ أحب أن يكون عالمًا) وقال أيضًا: (طلب العلم درجات، ومناقل، ورتب لا ينبغي تعديها، ومَنْ تعداها جملة فقد تعدّى سبيل السلف – رحمهم الله تعالى- ومَنْ تعدّى سبيلهم عمدًا ضلّ، ومن تعدّاه مجتهدًا زلّ، فأول العلم حفظ كتاب الله عزوجل وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه).
  • وكان الصحابة حريصين على تحفيظ أولادهم القرآن الكريم وهم صغار، لأن ذلك أسهل وأشد تعلقًا بالذهن ورسوخًا في القلب، فقد روى سعيد بن جبير رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم – أي المفصل -، أي حفظته. رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تعليم الصبيان القرآن (5035)، قال ابن كثير: (فيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصّبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبًا، أو واجبًا…، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرًا، وأشد علوقًا بخاطره، وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود من حال الناس). يراجع: فضائل القرآن ص 226.
  • وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: (سلوني عن التفسير، فإني حفظت القرآن وأنا صغير) قال الحافظ في الفتح (9/84): (أخرجه ابن سعيد وغيره بإسناد صحيح).

وبناء على كل ما سبق، تبين لنا بوضوح أن منهج السلف الصالح هو الحرص الشديد على تحفيظ القرآن الكريم لأولادهم وهم صغار، وعلى هذا سار التابعون لهم بإحسان إلى اليوم.

وبالتالي فإن إبعاد الصغار عن القرآن الكريم وعن حفظه بشبهات واهية هو جزء من الحملة العالمية لإبعاد المسلمين عن مصدر قوتهم، ومرجعهم الأعلى وهو القرآن الكريم، لذلك علينا الحذر من مثل هذه الدعوات، ولكن لا مانع ان يكون التحفيظ وفق أسس علمية وبرامج ومناهج تربوية وتدرج، وعدم التحميل فوق الطاقة.

هذا والله تعالى أعلم بالصواب

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 كتبه الفقير إلى ربه

 أ.د.علي محيى الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 الدوحة في11ربيع الأول 1442هـ الموافق 28 Oct 2020  
آخر الفتاوى