فتوى حول: أرصدة أموال اليتامى، والصدقات، والتبرعات، والجمعيات الخيرية في لبنان، وتحمل الدولة والبنوك المسؤولية عن هذه الأموال المودعة لديها

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه، ومن تبع هداه إلى يوم الدين،

وبعد

فقد وصلتني رسالة من جمعية الإرشاد والإصلاح بلبنان الشقيق، موقعة من قبل رئيسها المهندس جمال محيو، وأمين سرها فضيلة د. محمد ربيع قاطرجي، حفظهما الله تعالى، تحمل السؤال الآتي:

تتلقى جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية الإسلامية تبرعات من الداخل اللبناني أو خارجه لصرفها في أبواب الخير الكثيرة المنتمية للميادين الخيرية والدعوية والتربوية والاجتماعية، تشتمل سلة هذه التبرعات على قواعد وشروط متعددة من قبل منفقها، ابتداء من الحرية المطلقة بالتصرف بها في أي باب كان، وصولاً إلى الاشتراط في الكيفية، أو المكان، أو الزمان، أو الجهة المستحقة باسمها وعينها، منها ما تقبضه مسبقًا لصرفها مباشرة، أو مقسطة أو راتبة على مدار العام، ومنها ما تقبضه لاحقًا بعد تنفيذ الصرف كله أو جزء منه، مع العلم أن الحجم الأكبر منها بالدولار الأمريكي وليس بالليرة اللبنانية.

تسجّل محاسبة الجمعية تحركات التبرعات والصرفيات وتقيّدها في دفاترها وتتابع أرصدتها الكثيرة والمختلفة، وتقوم ماليتها على وضعها مجموعة دون فرزها في المصارف المعتمدة من قبلها حفاظًا عليها وتحتفظ بجزء منها في خزائنها للصرفيات النثرية، كذلك يتم تسديد الصرفيات من المال المختلط دون تمييز.

 قبل استفحال الأزمة المالية والاقتصادية القائمة حاليًا في تشرين الثاني 2019م وعند إرهاصاتها الأولى، قللت الإدارة المالية من الإيداعات البنكية واحتفظت بكتلة نقدية أكبر في خزائنها تحسبًا لأي طارئ.

ومن مستتبعات الأزمة المالية الراهنة وانهيار عملتنا الوطنية، نشأ مصطلحان ماليان جديدان يميزان العملات الأجنبية الموجودة في المصارف، كذلك تعامل الناس بعدة أسعار لصرف الليرة مقابل الدولار الأميركي بحسب تصنيف المال.

أما المصطلحان الجديدان:

  • الأول ويطلق عليه:” المال القديم Old Money” وهو عبارة عن الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية قبل تشرين الثاني 2019م.
  • الثاني ويطلق عليه:” المال الطازج Fresh Money” وهو عبارة عن الأموال المحولة من الخارج أو النقد المودع في الحسابات المصرفية اعتبارًا من تشرين الثاني 2019م.

أما أسعار صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكي (مرجع العملات الأجنبية كافة) فأهمها:

  • سعر الصرف الرسمي: متوسطه 1507.5 ليرة للدولار الواحد وهو ثابت منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتم استخدامه في كافة المعاملات الرسمية والمصرفية خلا المذكورة تاليًا.
  • سعر صرف المنصة الرسمية للدولار” القديم “: بدأ بسعر 3000 في مطلع نيسان وهو الان بسعر 3900 ليرة للدولار الواحد، يستخدم في سحوبات مصرفية مقيدة وتسعير ما تدعمه الحكومة من منتجات مستوردة أو تحويلات مصرفية للخارج مقتصرة على أغراض التعلّم أو للخدم أو استيراد المعدات الطبية وغيرها من الضروريات، تتحكم بها شروط كثيرة أهمها سقف المبلغ المستخدم.
  • سعر صرف النقد في السوق السوداء: تصاعد منذ بدء الأزمة حتى وصل قبل شهر إلى حدود 10 آلاف ليرة للدولار النقدي الواحد وهو حاليًا في حدود 8 آلاف.
  • سعر صرف الشيكات المصرفية للمال” القديم” في السوق السوداء: يتأرجح بين 30% إلى 45% من سعر صف النقد في السوق السوداء المذكور أعلاه.

استكمالاً ثبتت القواعد الآتية في التعاملات المالية:

  • ” المال القديم “: لا يمكن لمالكه تحويله إلى خارج لبنان، بل يمكنه سحبه فقط بالليرة اللبنانية على سعر الصرف السرمي قبل نيسان 2020م وعلى سعر المنصة الرسمي التي حددها مصرف لبنان وهي 3900 ل.ل مقابل الدولار بعد نيسان 2020 بسقوف شهرية محددة (أعلاها 5000 دولار لمن يملك حسابًا أكبر من مليون دولار) وكل مبلغ يفوق السقف المحدد يسحب على سعر السرف الرسمي وهو 1507.5 مقابل الدولار.
  • يتم التعامل بالشيكات المصرفية للمال القديم بين التجار بقيمتها في السوق السوداء مع هامش معتبر غير مقنن.
  • المال الطازج: يمكن لمالكه تحويله إلى خارج لبنان، وكذلك يمكنه سحبه والحصول على الجزء الأكبر منه نقدًا بعملته الأساس.

بناء على ما تقدم، يأتي السؤال – الفتوى:

  • مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الشرعي ومصلحة المستحق ونية المتبرع.
  • ومع بروز اختلاف صارخ في قيمة” المال القديم “: بالنسبة لليرة اللبنانية بحسب أسعار الصرف المختلفة.
  • ومع أنه يصعب على المحاسبة تتبع تحركات وأرصدة الأموال القديمة (نقد أو شيكات أو ليرة أو دولار).
  • ومع التذكير فيما ورد في مطلع الرسالة لجهة:
    • أنواع القبض: المسبق أو اللاحق.
    • أنواع السداد: المباشر أو المقسط أو الراتب أو اللاحق حين الاستحقاق.
    • مبالغ الأرصدة: مبينة.
    • ماهية الأرصدة: مختلطة وغير واضحة.

كيف يمكن للإدارة المالية للجمعية تقييم أرصدة التبرعات الكثيرة للمال القديم، وبالتالي ما هو بذمتها للسداد؟ وبعبارة أخرى، كيف سيتم تقييم المال القديم، هل بحسب:

  • السعر الرسمي؟
  • سعر المنصة الرسمية دون اعتبار لسقوف المبالغ؟
  • سعر النقد في السوق السوداء؟
  • سعر الشيكات في السوق السوداء؟

وللإجابة عن ذلك، نقول:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

فهذا الموضوع المهم النابع من المسؤولية التي تشكر عليها الجمعية وإدارتها، يحتاج للإجابة عنه بيان ما يأتي:

أولاً – هذا التقسيم لأموال الناس وحقوقهم في حساباتهم الحقيقية إلى مال قديم، ومال طازج ليس له أساس في الفقه الإسلامي، ولا في الاقتصاد الوضعي، بل هو حيلة غير مقبولة شرعًا، واقتصادًا، وربما فرضته الظروف الحالية، ولكن للحق أقول: إن الدولة والبنوك المودعة عندها هذه الأموال تتحمل المسؤولية، فالناس أودعوا أموالهم بالدولار – مثلاً – (وليست بالليرة اللبنانية، حتى يقال أصابها الانهيار)، فأين ذهبت هذه الدولارات؟ والمسؤولية أكبر أمام أموال اليتامى والصدقات، والجمعيات الخيرية.

فالحكم الشرعي هو ردّ هذه الأموال بنفس العملة التي أودعت بها في البنوك، ولكن بما أن ذلك غير ممكن لأي سبب كان، فنحن نتطرق إلى الأحكام الطارئة.

ثانيًا- فيما يتعلق بالجمعية الخيرية التي تسلمت الأموال التي سميت (المال القديم) ومع ملاحظة الحيثيات التي ذكرت في السؤال، فالجواب كالآتي:

بما أن محاسبة الجمعية تسجل تحركات التبرعات والصرفيات وتقيّدها في دفاترها إلى آخر ما ورد في السؤال، وبما أن الجمعية لديها كتلة نقدية في خزينتها، تحسبًا لأي طارئ، وبما أن مبالغ الأرصدة مبينة..وبما أن الأرصدة مختلطة وغير واضحة..

فبناء على هذه الحيثيات وغيرها، فإن الحكم العام هو أن ذمة الجمعية ذمة واحدة، وأن العبرة في أموالها بالواقع المنجز الموجود فعلاً، والمستلم في وقتها.

وعليه فإن الجمعية يجب عليها اتخاذ التدابير الآتية:

  • احتساب جميع الأموال التي توافرت لدى الجمعية قبل تشرين الثاني/نوفمبر 2019م سواء كانت مودعة في البنوك، أم موجودة في خزينتها، مع مراعاة أن يحسم (يخصم) منها كل ما هو مصروف بقيمة يومه، والباقي بقيمته الحالية.
  • القيام تقييم الأموال الموجودة حسب قيمتها الواقعية التي تسطيع الجمعية صرفها، أو أخذتها فعلاً.

ولتوضيح ذلك، نضرب مثالاً: الجمعية في عام 2019 إلى تشرين الثاني / نوفمبر 2019 كان لديها مائة ألف دولار لأوجه الصرف، وصرفت جزءًا منها، وبقي جزء آخر في خزينتها، وفقًا لما يأتي:

1- الباقي الآن في الخزينة (25.000) دولار فيحسب حسب القيمة الحالية، فلنفترض بـ 8.000 ليرة = 200.000.000 ليرة، والباقي الذي في البنوك (25.000) دولار يحسب مثلاً على قيمة الصرف اليوم فلنفترض 4000 ليرة = 100.000.000 ليرة، إذن يكون الموجود لدى الجمعية الآن 300 مليون ليرة.

ثم توزع ذلك على 50.000 دولار للوصول إلى المعدل، وهو 6.000 ليرة لدولار واحد.

ثم يتخذ هذا معيارًا لكل الأموال التي خصصت لأوجه الصرف، فلنفترض أن كفالة اليتيم هي 50 دولارًا، فيتم حسابه 50 دولار × 6000 ليرة = 300.000 ليرة، وهكذا بقية الأنشطة.

ولو بقي شيء زائد فإنه يكون رصيدًا لأنشطة الجمعية، ولو نقص – فرضًا – تتحمله الإدارة، ولكن حسب الحسبة المالية، لا أعتقد حدوث نقص.

2- إذا تم صرف نشاط سابق بأقل من 6000 ليرة، فإننا ننظر إلى الواقع، فإذا كان هذا المبلغ يساوي هذا المعدل فالأمر ماض دون خرج وإن كان أكثر، فإن أمكن ردّه منه فهذا جائز، مثل المشروع المستمر، وإن لم يمكن فيتحمله مجموع أموال الجمعية، وإن كان أقل فإن كان ذلك عدلاً – أي كان هذا قيمة الليرة- فلا حرج، وإلاّ فيعالج وفقًا للمتاح الممكن، بل ولا حرج في ذلك، لأنه رضي به عند الأخذ.

3- وإذا كانت قيمة الليرة (من المال القديم) مضطربة أمام الدولار الموجود للجمعية، فمثلاً كانت قيمتها في تشرين الثاني / نوفمبر 2019م (3000 ليرة)، وفي كانون الأول / ديسمبر 2019م (3.500 ليرة)، وفي كانون الثاني / يناير 2020م (3.900 ليرة)، ففي هذا الحالة تأخذ الجمعية المعدل العام لما صرف، أما الباقي فقيمته بقيمة يوم الصرف، وحسب الواقع المتاح.

ثالثًا- والجواب عن الأسئلة الأخيرة، كالآتي:

  • كيف سيتم تقييم المال القديم؟

الجواب: يتم تقييم المال القديم وفق الحالتين الآتيتين:

الحالة الأولى: التقييم للمال الموجود في الخزانة يتم وفقًا للواقع الذي تستطيع الجمعية الحصول عليه، فمثلاً لو أن لدى الجمعية اليوم عشرة آلاف دولار في خزينتها، وصرفت منها خمسة آلاف بقيمة 8000 ليرة، فالمعتبر هذا الواقع، وهكذا.

الحالة الثانية: وأما دولاراتها الموجودة في البنوك، فيحسب حسب السعر المتاح، ثم يجمع المالان فيكون الرصيد المتجمع هو المال الموجود لدى الجمعية.

– هل يتم تقييم المال القديم حسب السعر الرسمي، أو سعر المنصة الرسمية دون اعتبار لسقوف المبالغ، أو سعر النقد في السوق السوداء، أو سعر الشيكات في السوق السوداء؟

الجواب: بما أن العملة اللبنانية (الليرة) منهارة في الوقت الحاضر، فالعبرة بالواقع المتاح، وبما يمكن للجمعية الحصول عليه دون ردع قانوني محقق.

ثم إذا تم التحويل بأشكال مختلفة فالعبرة بما صرف على النشاط نفسه في ذلك الوقت، وإذا لم يصرف فينبغي الرجوع إلى المعدل العام – كما سبق -.

هذا والله تعالى أعلم بالصواب

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 كتبه الفقير إلى ربه

 أ.د.علي محيى الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

آخر الفتاوى