فتوى حول الكفالات المعيشية والتعليمية

فقد وصلتني رسالة كريمة من الهيئة الإسلامية للرعاية بلبنان، وهي هيئة خيرية أنشئت منذ 1985م تقدم الرعاية والعناية لليتامى -معيشيًا، وتربويًا، وتعليميًا-، والإغاثة والدعم للفقراء، وقد تضمنت الرسالة أن بعض الأسر لا تحسن صرف المبالغ المخصصة لو أُعطيت لهم، بحيث تصرفها في غير الحاجيات، وعندئذِ يبقى اليتيم بدون رعاية صحية أو تعليمية.

لذلك ارتأت الإدارة أن لا تقوم المؤسسة بتسليم كامل المبلغ المالي للأسرة بل بتسليمها جزءًا منه ويعتبر “كفالة معيشية”، وادخار المبلغ المتبقي في حسابها في المؤسسة “ككفالة تعليمية، طبية وتربوية”، حيث تقوم المؤسسة بتسديد الأقساط المدرسية للأيتام، وتأمين أساتذة خصوصية لهم، تقديم المساعدات الطبية..

لذلك تم الاتفاق على نسب مُحددة تقوم المؤسسة باقتطاعها من قبض الأيتام للحفاظ عليها من جهة ولضمان مستقبل الأيتام من جهة أخرى.

وتم الاتفاق على النسب التالية: –

1- كفالة معيشية: 50٪ من قيمة المبلغ يسلم للأسرة.

2- كفالة تعليمية: 15 تُقتطع هذه النسبة من إجمالي المبلغ المخصص لليتيم ويتم ادخارها له في صندوق تعاضدي للأيتام حيث نقوم بتغطية المساعدات التعليمية منه.

3- كفالة صحية: 5% تُقتطع هذه النسبة من إجمالي المبلغ المخصص لليتيم ويتم ادخارها له في صندوق تعاضدي للأيتام حيث نقوم بتغطية المساعدات الطبية لليتيم ووالدته منه.

4- الكفالة التربوية: 10٪ تخصص هذه النسبة للأنشطة التربوية، الدينية، الترفيهية، دورات

تحفيظ القرآن الكريم، المخيمات الصيفية، المحاضرات، ورش العمل، المبادرات المجتمعية الخاصة للأيتام بهدف بناء جيل عابد لربه، معتز بانتمائه، واثق بنفسه وإيجابي في مجتمعه.

5- النفقات الإدارية والتشغيلية للمؤسسة بنسبة 20%

وبما أننا في قسم إدارة الأيتام نقوم بتسويق استمارة اليتيم لعدة مؤسسات خارجية، وتتم كفالته من العدد الأكبر منها، وبالتالي ترتفع قيمة المبلغ المخصص لليتيم الواحد، فبعض المؤسسات تكفل اليتيم بعينه، أي يقوم الكافل باختيار يتيمه عن الرابط الخاص بالمؤسسة ويطلع على كافة تفاصيله ومستجداته ويتواصل معه هاتفيا من خلال مكاتبنا، أو من خلال بريدنا الإلكتروني، كما أنه يرسل له الهدايا والمعايدات، أما البعض الآخر فتكون كفالته عامة، أي تقوم المؤسسة بكفالة مجموعة أيتام دون ربطهم بكافلين معينين على سبيل المثال: تُبلغنا المؤسسة أنها كفلت 50 يتيمًا مقابل مبلغ شهري أو فصلي بقيمة معينة، نقوم بدورنا باختيار الأيتام الأكثر حاجة، الاختلاف هنا في هذه السياسة أن المؤسسة المانحة لا تربط اليتيم بكافل محدد بالتالي تكون الكفالة عامة وغير مرتبطة بكافلين محددين، فهل نظام الصندوق التعاضدي للأيتام المعتمد في هاتين السياستين صائبة؟ خاصة وأن بعض المؤسسات كفالتها مخصصة لأيتام محددين.

والجدير ذكره أيضًا أن المساعدات المقدمة للأيتام تتفاوت من يتيم لآخر، على سبيل المثال هناك أيتام تعاني من مشاكل صحية متعددة، بالتالي تكون بحاجة لفحوصات وأدوية وصور أشعة دورية نقوم بتغطيتها من الصندوق الصحي التعاضدي للأيتام. وفي المقابل اليتيم الذي لا يعاني من أية أمراض لا يستفيد من هذا الصندوق، بل يستفيد من الصندوق التعليمي من خلال تسديد قسطه المدرسي، تأمين معلمة خصوصية له.. وكانت هذه الخطوة عملية وفعالة مع الأسر وإيجابية جدًا خاصة وأن العدد الأكبر من الأمهات لا يجدن ترشيد المبالغ المالية المقدمة لها.

وبالمقابل هناك أيتام لا يستفيدون كلية من هذه الصناديق التعاضدية الخاصة بالكفالات، فحالتهم الصحية جيدة وهم مسجلون في مدارس رسمية، أو مدارس خاصة بالأونروا ولا يتوجب علينا أن نقوم بتسديد أقساط مدرسية لهم، كما أنهم ليسوا بحاجة لأساتذة خصوصيين، إضافةً إلى أنه هناك أيتام خارج مقاعد الدراسة فالإشكالية هنا تكمن في عدم استفادة كافة الأيتام من الصناديق التعاضدية بالتساوي، فما هو الحل الأنسب والطريقة التي يتوجب علينا اعتمادها لتحقيق المساواة بين كافة الأيتام؟

لذلك نتمنى من حضرتكم إفادتنا بمدى صحة هذه الطريقة التي نعتمدها من الناحية الشرعية:

1- هل تأثم مؤسستنا عندما لا تقوم بتسليم كامل المبلغ المستحق للأسرة من المؤسسة المانحة، بالطبع بعد حسم النسبة الإدارية المتوافق عليها مع المؤسسة المانحة؟

2- في حال كان القرار صائبًا:

• كم هي النسب التي يتوجب علينا اعتمادها؟

• هل قرار الصندوق التعاضدي للأيتام صائبًا، أم يتوجب علينا إنشاء صندوق خاص لكل

يتيم بعينه؟

3- كم يتراوح سقف النسبة التي تستطيع المؤسسة حسمها من كفالات الأيتام أو المشاريع

لتقوم بتغطية مصاريفها التشغيلية (رواتب موظفين، نقليات، خدمات تشغيلية…)، علما أن النسب الإدارية المسموح لنا بحسمها من التحويلات قليلة جدًا مقابل المصاريف الإدارية الضخمة المتوجبة على المؤسسة والتي تبدأ من 3% كحد أدنى لتصل إلى 10% كحد أقصى.

4- هل تجوز كفالة غير المسلمين من أصحاب الأديان والملل

دمتم لخدمة الاسلام والمسلمين

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين وبعد..

أولاً: إن الجمعية (المؤسسة) الخيرية التي هي معتمدة من الدولة، ونالت ثقة الناس فإنها مؤتمنة وبمثابة الوصي أو الوكيل فيما يحقق مصالح هؤلاء الأيتام، أو نحوهم، فلذلك فإن تصرفاتها التي تحقق مصالحهم، وتدرأ عنهم المفاسد مقبولة شرعًا.

وبناءّ على الشرح الذي ذكر في السؤال فإنّ ما فعلته مؤسسة (رعاية) هو لمصلحة هؤلاء المكفولين، ومتوافق مع مقاصد الشريعة في الوقف من حيث المبدأ، لأن رعاية المصلحة – فيما عدا المنصوص عليه- هو المعيار الصحيح، ويدل على ذلك قوله تعالى: (.. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ..) ([1])، حيث يدل على أن الإصلاح (أي تحقيق المصلحة) في أموال اليتامى (ومن في حكمهم) هو المطلوب شرعًا، ولذلك أجاز بعض الفقهاء منهم الحنابلة مخالفة شرط الواقف للمصلحة.

ولذلك فإن جمهور الفقهاء متفقون على أن على الناظر أو المسؤول عن القصر ضرورة رعاية المصلحة في أموالهم من حيث الاستثمار، والاستعمال والاستغلال، والتصرف في غَلّة الوقف، ووفره، أو مساعدة وقف آخر، وحتى في الإبدال عند جماعة من الفقهاء([2])، ونصّ بعض فقهاء المالكية على أن (ما هو لله لا بأس أن ينتفع به فيما هو لله)، وكان فقهاء قرطبة وقضاتها يبيحون صرف فوائد الأحباس بعضها في بعض (وذكر بعض الفقهاء جواز تقديم ذوي الحاجة الماسّة على غيرهم حتى ولو كان الوقف للجميع) ([3]).

ثانيًا: أن الجواب على ما رود في الفقرة الأولى من تقسيم المال المرصود لليتيم إلى 5 أقسام كما ورد في الرسالة.. هو جواز ذلك التقسيم الخماسي، لما يأتي:

1- أن ذلك يحقق المصالح الشاملة لليتيم، والنظرة الشمولية لمصالحه، وفي ذلك خير كثير لا يخفى، وقد ذكرت الرسالة جوانب مضيئة لهذا التقسيم.

2- أن الكفالة لليتيم في الإسلام ليست كفالة الأكل والشرب فقط، وإنما تشمل جميع الجوانب التربوية والصحية والتعلمية، وذلك لأن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة، هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما) ([4]).

ومعنى كفالة اليتيم في اللغة: ضمان حاله([5])، وفي الاصطلاح: القيام بأموره المتعلقة ببدنه، وصحته، وغذائه ودوائه، وبتعليمه وتربيته، وتنمية ماله إن كان له مال.

فالكفالة في الإسلام حسب الحديث الشريف ليست كفالة مادية فحسب، بل كفالة معنوية شاملة لجميع جوانب شخصيته في الحال والمآل، ونقل الحافظ ابن حجر معنى جميلا، وحكمة رائعة في الحديث السابق عن شيخه الحافظ العراقي في شرح الترمذي، حيث بيّن الحكمة من نيل كافل اليتيم منزلة قريبة جدًا من الرسول صلى الله عليه وسلّم في الجنة، وهي أن الرسول صلى الله عليه و سلم أيضًا هو كافل للأمة التي لم تكن تعلم أمور دينها، فأرشدهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعلّمهم ودربهم حتى وصلت إلى خير أمة أُخرجت للناس، كذلك كافل اليتيم مسؤول عن يتيم لا يعقل فيقوم بتربيته، ويحسن أدبه حتى يصبح من خيار الناس([6])، فهذا الفهم الرائد الرائع يوضح لنا حقيقة كفالة اليتيم.

وبناء عليه فإن هذا التقسيم الخماسي مقبول شرعًا.

ثالثا: النسب المذكورة في الرسالة هي اجتهادية وبالتالي فيجب أن يقوم بها أهل الذكر والعلم بالإحصائيات وتجارب السنوات السابقة، بحيث إذا كانت هذه النسب تحقق التوازن والمصالح للأيتام فهي جائزة، وإلا فتجب المراجعة والدراسة للوصول إلى الظن الغالب المحقق للتوازن والمصالح.

رابعًا: لا مانع من تكوين صندوق تكافلي عام لجميع الأيتام تؤخذ من كل يتيم نسبة من راتبه (أو مكافآته) مثل 2%، ولا مانع من استثمارها استثمارا آمنا إن وجد، ثم تؤخذ منه نسبة، وتصرف لمن تتوافر فيه الشروط.

لذلك يجب أن يكون هذا الصندوق قائما على التكافل، وأن يرتب له نظام تفصيلي لإدارته، وللصرف منه، ومستحقيه، وأنه في الأخير عند التصفية يجب صرفه لهؤلاء الأيتام الموجودين أو للجمعيات الخيرية.

وبناء على ذلك فلا يشترط أن توزع موجودات الصندوق على الجميع وإنما تصرف حسب النظام لمن يستحقه مثل المريض أو نحو ذلك.

ولا يشترط شرعًا إنشاء صندوق خاص لكل منهم، بل يكتفى بالصندوق العام للجميع.

وهذا الصندوق هو مثل التأمين التكافلي الذي صدرت بشأن جوازه قرارات المجامع الفقهية المبنية على الأدلة الشرعية.

خامسا: النسبة الإدارية المسموح لها حسب قرارات المجامع والمؤتمرات الفقهية هي ألّا تتجاوز ,12% فهي نسبة (العاملين عليها)، وعلى المؤسسة بذل كل ما في وسعها لتقليل المصروفات والاستعانة بالمتطوعين والمتطوعات لتقليل النسبة بقدر الإمكان.

سادسًا: نعم تجوز كفالة غير المسلمين من جميع الأديان والملل والطوائف وبخاصة الذين يعيشون داخل العالم الإسلامي والدول الإسلامية، وتصرف كفالتهم من الصدقات العامة، ومن الأوقاف والأموال المجنبة ونحوها.

وهذه الكفالة لها حالتان:

الحالة الأولى – أن يختار الكفيل المسلم أو غير المسلم يتيما غير مسلم، فهذا حقه وعلى المؤسسة أن تحترم ذلك وتقوم بالواجب المطلوب من الكفالة دون تفرقة.

الحالة الثانية – أن تكلف المؤسسة من قبل شخص (طبيعي أو معنوي) باختيار أيتام غير المسلمين، وعندئذ أيضًا يجب أن تكون جادة في ذلك، وذلك لأن الإحسان إلى غير المسلمين (من المواطنين أو المسالمين) مطلوب شرعًا حتى لغير الإنسان، بل ذكر الله تعالى البر والإحسان معهم في قوله تعالى (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ([7])، ولكن لا يجوز تغير كفالة يتيم مسلم إلى غير مسلم ولا تغير كفالة غير مسلم إلى مسلم لأن شرط الواقف معتبر، وأنه -من حيث اللزوم والمبدأ- كنص الشارع.

هذا والله أعلم بالصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 كتبه الفقير إلى ربه

 أ.د. علي محيي الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


([1]) سورة البقرة / الآية 220

([2]) يراجع: الإسعاف ص 127 وحاشية ابن عابدين (3/989) والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (4/0077) ومغنى المحتاج (2/379) والمهذب (1/448) وشرح منتهى الارادات (2/492) والمغنى (5/644) وفتح الباري (5/387 – 396)

([3]) المعيار المعرب (7/112، 132، 140، 187)

([4]) رواه البخاري في صحيحه (5304، 6005)

([5]) يراجع: القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط

([6]) فتح الباري (10/536 – 537)

([7]) سورة الممتحنة / الآية 8

آخر الفتاوى