فتوى حول: حكم العلم فيما يحرم من الرضاعة

فقد وردني طلب استفتاء حول مسألة (فيما يحرم من الرضاعة) وهذا نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد

فأنا كاتب هذه الرسالة أخوكم في الدين أ.ب.ر، أرجو أن أعبر لكم بعض الأمور التي قد سببت لي القلق والاضطراب الشديدين ولا أرى لها حلا لدي ولا أدري ماذا أفعل. ومن هنا قررت أن أتصل بكم امتثالا لقوله تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” ورجاء أن ترشدوني إلى سواء السبيل في ضوء الكتاب والسنة والله يجزيكم ويبارك لكم، حيث إن الأمر مرتبط بي شخصيًا فلا أستطيع أن اتخذ قرارًا حاسمًا وموقفًا صحيحًا بل أخاف أن تحول العاطفة بيني وبين القرار الصحيح.

أما نص القضية فهو كالآتي:

” كان الله تعالى قد منح لي فرصة للاعتكاف بالمسجد الحرام في العشر الأخير من شهر رمضان المبارك من السنة الماضية (سنة 1438الهجرية). أثناء وقوفي بالمسجد الحرام بدأت أشعر في قلبي كأن مشكلة واحدة تتعلق بعلاقتي مع زوجتي تعرقل في طريقي إلى دخول الجنة. ولا أستطيع أن أعبر بالضبط كيف طلعت هذه الفكرة، إذ لم تكن عن طريق أي إرشاد صريح من الكتاب والسنة ولا عن طريق الرؤيا بل كانت عن طريق الأحاسيس والمشاعر التي كانت قد طلعت في نفسي وأدت هذه الفكرة إلى قلق شديد واضطراب كبير لي، حتى بدأت نفسي ترتجف وجلودي تقشعر كلما يقرأ الإمام آية من آيات الرهبة في الصلاة وطار عني النوم كليا ليومين أو ثلاثة ولم أكن أستطيع النوم في هذه الأيام حتى بعد محاولة شديدة.

وبدأت أفكر فيما قد يكون من أسباب هذه المشكلة فتذكرت قولا كنت قد سمعته من أمي تحكيه لدينا عندما كنت صغيرا (ربما كنت بين ال 12 وال 15 من عمري) تقول بأنها: “أرادت مرة أن ترضع إحدى ابنتي أخيها ولكنها لما بدأت ترضعها منعتها إحدى صديقاتها، لأن هذا يسبب حرمة الزواج بينها وبين أولادها، فامتنعت فورا ونزعت ثديها عن الرضيع.” وكانت لأخيها بنتان متتاليتان ولا أتذكر أيتهما أرادت، وتوفيت إحداهما وهي صغيرة ولما بلغت الثانية سن الزواج أبدت أمي رغبتها الشديدة لتنكحني بابنة أخيها هذه. ولما رأيت رغبتها الشديدة رضيت على اقتراحها هذا آخذا في الاعتبار على أن أمي كانت امرأة صالحة وعارفة بأساسيات المسائل الشرعية ومتدينة شديدة في الأمور الشرعية، فعرفت بأن رغبتها إلى إنكاحها بي تدل على أن هذه لم تكن هي التي كانت قد ذكرت بأنها قد بدأت في أن ترضع احدى ابنتي أخيها ثم انتهت منه. كما عرفت أنها على سبيل الافتراض ولو كانت هذه التي تريد إنكاحها هي التي أرضعتها لكنها كانت مطمئنة على أن ما أرضعتها لا تسبب حرمة النكاح.

(توفيت أمي رحمها الله في سفرها للحج في صحبتي، بعد أداء فريضة الحج وقبل رجوعها إلى البلاد وتوفيت وهي راضية عني وعن زوجتي.)

 فلم أر أية مشكلة في هذا الزواج وتم هذا الزواج بيني وبين ابنة خالي برضا بين الطرفين ورزقنا الله تعالى ستة أولاد بين الذكور والأنثى. وحاول كل منا للاهتمام على تربية أولا دنا تربية صالحة. وهم الآن موزعون في دول مختلفة وكلهم متدينون ولله الحمد ولا أزكي على الله أحدا.

وكنت حينئذ – كما ذكرت لكم سابقا – في قلق شديد من الناحية النفسية وكنت أشعر كأني سوف أتنفس نفسة أخيرة في أية لحظة من اللحظات، قبل انتهاء فترة الاعتكاف وفكرت أني لومت ولم أحل مشكلتي بفسخ عقدة النكاح بيني وبين زوجتي – كما تغلبت هذه الفكرة على مخي ودماغي ومشاعري ودمي فسوف أكن من الخاسرين. فأسرعت إلى ورقة وكتبت فيها مخاطبا إلى ابني بأني لا أدري هل أعيش إلى نهاية فترة الاعتكاف أم لا ونصحت إلى ابني بفسخ عقد الزواج بيننا وذكرت أن ذلك كحل للمشكلة التي أشعر بأنها سوف تعرقل في طريقي إلى النجاة.

ولكن شاء الله أن أكمل فترة الاعتكاف فرجعت مع ابني وأخبرته بما جرى بي من الاضطرابات النفسية والقلق الشديد وما كنت أعانيه أثناء فترة اعتكافي وما كنت قد كتبته إليه عن حالة الروع واضطراب نفسي. وكنت أريد أن أمضي ما كنت أريده. ولكن ابني يقول: لابد أن نتأكد أولا أن ما فعلته هل كان على أساس شرعي حاسم أم على أساس العاطفة. ولا بد أن نتأكد أولا هل الموضوع الذي تراه بأن الحل هو فسخ النكاح في حقيقة الأمر أم لا؟ ثم ينبغي أن نتخذ قرارا على جدية الموضوع.”

فبحثت الموضوع مرة أخرى في كتب الفقه وكانت النتيجة هي أنها إذا كانت زوجتي بالافتراض هي التي أرضعتها أمي لكنها لم تصل إلى حد حرمة النكاح إذ أن أدنى حد الرضاعة لثبوت حرمة النكاح هو رضعة كاملة أي حتى يشبع الطفل ويترك الثدي بنفسه وهذا على المذهب الحنفي الذي هو أشد المذاهب في هذه المسألة. وأما باقي المذاهب فلا تثبت الحرمة عندها بأقل من ثلاث رضعات الى خمس رضعات. فاطمأن قلبي على أنه لما لم تحدث ولا رضعة كاملة كما أخبرتنا أمنا- والله على ما أقول وكيل – فضلا عن رضعتين أو أكثر. فاطمأن قلبي وتركت الفكرة التي كنت مصرًا على إنفاذها.

أما الآن وبعد مضي أكثر من سنة أحاطت بي فكرة أخرى وهي: “هل يجب عليّ تنفيذ ما كنت قد كتبته إلى ابني وأنا معتكف حتى ولو لم يوجد السبب الذي كان في اعتباري وراء كتابة هذه الورقة سببا جديا؟ وهل كانت هي بمثابة الوصية وهل مثل هذه الوصية يجب تنفيذها ولو لم يوجد مبررا حاسما؟ وهل يجب علي الآن فسخ النكاح بيني وبين زوجتي؟ أم هناك حل شرعي آخر؟”

 المرجو من فضيلتكم الافتاء في هذه المسألة في ضوء الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة. ثم الدعاء لي أن يجعلني الله من المغفورين والمرحومين يوم القيامة. وجزاكم الله أحسن الجزاء.

أخوكم في الدين/ أ.ب.ر

تحريرا في: 16 يوليو, 2018م

   الجواب:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

فأودّ أن أبين لكم الأمرين اللذين تتضمنها رسالتكم الكريمة، وهما: عدد الرضعات المحرمة، وقضية العلم بالرضيعة، بالإضافة إلى المراد بالرضعة المحرمة وشروطها، وكذلك مسألة: الشك في كون الزوجة هل رضعت من والدة الزوج. ومسألة: فسخ النكاح بين الزوجين بسبب الرضاعة، فتلك خمس مسائل نذكر فيها الراجح الظاهر بإذن الله تعالى.

وقبل أن أجيب أقول: بأن ما جرى لكم كان ابتلاء، كما أنه دليل على مدى حرصكم على الالتزام بالشريعة – مهما كان الثمن- فبارك الله فيكم وفي أهلكم واولادكم.

المسألة الأولى: عدد الرضعات المحرمات:

فقد اختلف فيها العلماء على عدة آراء ينحصر أهمها في ثلاثة مذاهب- يراجع: بدائع الصناع (4/8) والدسوقي على الشرح الكبير (2/502) وبداية المجتهد (2/31) وروضة الطالبين (9/7)، والمغني (7/513) والموسوعة الفقهية الكويتية (22/239-256).

المذهب الأول: أن الحرمة تثبت برضعة واحدة، وهذا رأي أبي حنيفة، ومالك وأحمد في رواية رحمهم الله تعالى، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما، وعن بعض التابعين، حيث يرى هؤلاء ان قليل الرضاع وكثيره يحرم مستدلين بإطلاق أو بعموم قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: 23] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) رواه البخاري الحديث 5239 وفتح الباري (5/253) ومسلم 1445 (2/1072) من حديث ابن عباس.

وجه الاستدلال: أن الآية الكريمة لم تقيد الرضاعة بعدد محدد، فتبقى على إطلاقها، وحينئذ يكون مرجعها إلى اللغة والعرف السائد، وهكذا استدلوا بالحديث الشريف.

والجواب على هذا الاستدلال: بأنه لا يسلم ما ذكر في وجه الاستدلال لورود أحاديث صحيحة تثبت تقييد الرضاعة بأكثر من رضعتين، أو بخمس رضعات – كما سيأتي- ومن المعلوم أن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هو البيان فقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44].

المذهب الثاني: اشتراط ثلاث رضعات للتحريم، وهذا قول أبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود الظاهري، واحمد في رواية.

واستدلوا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الآيات بأنها مقيدة بثلاث رضعات، منه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُحرّم المصّة والمصّتان) رواه مسلم في صحيحه 1450، والترمذي 1150 والنسائي في السنن الكبرى 5457 وفي السنن 3310 وابن ماجه 1941 وأبو داود 2063 واحمد 24644.

وكذلك ورد حديث بلفظ (لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان) رواه مسلم في صحيحه 1451 وابن حبان في صحيحه 105 والنسائي بسند صحيح 3308،

وقد ذكر بعض الرواة سبب ورود هذا الحديث، وهو: أن أنس بن مالك قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة وتحتي أخرى، فزعمت الأولى انها أرضعت الحدثي رضعة أو رضعتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان) رواه ابن حبان في صحيحه 105 وقال محققه شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح،

وفي رواية أخرى عن أم الفضل قالت: (إن النبي صلى الله سئل عن الرضاع؟ فقال: (لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان) رواه النسائي، وقال الألباني في صحيح النسائي 3308: حديث صحيح.

وروى مسلم عن أم الفضل قالت: إن رجلاً من بني عامر بن صعصعة قال: يا رسول الله: هل تّحرّم الرضعة الواحدة، قال: (لا). فيراجع صحيح مسلم 1451.

ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذه الأحاديث: أنها حجة على الرأي الأول بتخصيص أدلته، ولكنها لا تدل على اشتراط ثلاث رضعات إلاّ من خلال دلالة المفهوم التي ترد عليها ملاحظتان، أولاهما: أن العدد لا مفهوم له عند جمهور علماء الأصول، وبخاصة المحققون منهم، وثانيتهما: أن دلالة المفهوم حجة عند مَنْ يقول بها إذا لم تتعارض مع نص ثابت، وهنا قد وجد نص ثابت – كما سيأتي في المذهب الثالث –

المذهب الثالث: اشتراط خمس رضعات، وهذا مذهب الشافعية، وابن حزم، والحنابلة في القول الصحيح (المذهب) وهو مروي عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير وعائشة رضي الله عنهم، وعن عطاء وطاووس.

وقد استدلوا بأحاديث صحيحة منها، ما روي بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرمن ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنّ فيما يقرأ من القرآن) رواه مسلم في صحيحه 1452 وابن حبان 4222 وأبو داود 2062 والترمذي 1150 والنسائي 3307 وابن ماجه 1942[1].

فهذا الحديث يدل بوضوح على أن هذا الحكم محكم لم ينسخ حيث توفي الرسول صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: (أرضعي سالمًا خمس رضعات تحرمي عليه) رواه مالك في الموطأ (2/605) ويراجع أصل الحديث في مسلم (2/1077).

والذي يظهر لنا رجحانه بقوة هو هذا المذهب الثالث، لما يأتي:

(1) أن أدلة المذهب الأول العموم، والإطلاق في الآية الكريمة والحديث الشريف، ومن المعلوم أن المطلق إذا وجد له مقيد يعمل به، وكذلك العام إذا خصص فيحمل عليه، وان وظيفة الرسول صلى الله عليم وسلم هي البيان، وقد بينه.

(2) وأما أدلة المذهب الثاني فلا تدل على الاكتفاء بثلاث رضعات، لأن النص نفى الرضعتين فقط – كما سبق- ثم إنها لا تتعارض مع المذهب الثالث، فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاكتفاء بالمصّة، او المصّتين، ثم بيّن في حديث عائشة رضي الله عنها أن المطلوب خمس رضعات معلومات، وبعبارة أخرى: إن دلالة حديث عائشة على الخمس دلالة منطوق وهي مقدمة على المفهوم – كما سبق-.

(3) وبالإضافة إلى ما سبق في المذهب الثالث: الجمع بين جميع الأدلة دون الغاء أحدها، والجمع أولى من الإلغاء أو الإهمال.

المسألة الثانية: العلم بالرضيعة:

إن من شروط التحريم ان تكون الرضيعة التي ارتضعت معلومة، أما في حالة الشك فحكمها ما نذكره في المسألة الرابعة.

المسألة الثالثة: المراد بالرضعة المحرمة وشروطها:

المراد بالرضعة المحرمة هي أن يأخذ الطفل الثدي، فيمتص منه، ثم يتركه باختياره لغير عارض، فإن تركه لضيق النفس، أو للانتقال من ثدي إلى الآخر فلا يعد رضعتين، وإنما رضعة واحدة.

ومن شروط الرضاع المحرم أن يكون عمر الرضيع أقل من حولين هجريين، وهذا رأي جمهور الفقهاء وهو الراجح لقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة: 233] حيث قالوا: إن الله تعالى قد جعل الحولين الكاملين تمام الرضاعة وليس وراء تمام الرضاعة شيء، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) [لقمان: 14] قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: 15].

ويدل على ذلك أيضًا بعض الأحاديث والآثار الوارد في هذا المجال، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحرم من الرضاعة إلاّ ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام) رواه الترمذي الحديث 1152، وقال: (حسن صحيح) وقال ابن القيم في زاد المعاد: (حديث ثابت)،

وقوله مرفوعًا: (لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين) روي مرفوعًا قال الدارقطني – في سننه (3/408-409) -: (لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ).

ولكن روي موقوفًا عن ابن عباس بسند صحيح كما قال البيهقي في السنن الكبرى (7/462) وقال الحافظ في بلوغ المرام (340): (روى مرفوعًا وموقوفًا، ورجح الموقوف).

وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: (لا رضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم)، وروى الطبراني في المعجم الأوسط (6/337، 7/222) عن علي: (لا رضاع بعد الفطام..) وروى مثله عن أبي هريرة مرفوعًا – بسند فيه مقال – الدارقطني في سننه (4/175) وابن عدي في الكامل في الضعفاء (4/312).

وذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع المحرّم حولان ونصف، ولا يحرم بعد هذه المدة، وخالفه صاحباه فهما مع الجمهور، وعلى قولهما الفتوى.

المسألة الرابعة: الشك في عدد الرضعات، أو كون الزوجة رضعت من والدة الزوج:

الذي يظهر لي من حال الأم – المذكورة في السؤال- أنها لو كانت الزوجة هي التي رضعت ثديها في فمها، ثم قطعت، لكانت أخبرت ابنها بذلك.

ولكن لا يحتاج إلى هذه الفرضية، لما يأتي:

أ- حتى لو ثبت أنها هي نفسها، فشهادة الأم تدل على أنها قطعت الرضاعة قبل أن تستكمل رضاعتها، وبالتالي فلا تُحرم.

ب- ولو ثبت أنها هي التي رضعت رضعة كاملة، فإن جماهير الفقهاء على أن الرضعة الواحدة لا تُحرم، ويدل على ذلك أحاديث صحيحة وثابتة – كما سبق-.

ج- وقال قد فقهاؤنا: (وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، او عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو لا؟ لم يثبت التحريم؛ لأن الأصل عدمه، فلا يزول اليقين بالشك).

وبناء على كل ما سبق فإن الزواج صحيح ثابت لا غبار فيه، ولا يجوز التشكيك والقلق والوسوسة التي تأتي من الشيطان، ولا تأتي بخير؛ كما أن في ذلك إيذاء للزوج ولعائلته وللأسرة التي كتب الله تعالى فيها السكنى والاستقرار.

المسألة الخامسة: فسخ النكاح بين الزوجين بسبب الرضاعة؟

من الثابت شرعًا أن الفسخ هو غير الطلاق، وأن الفسخ إنما يتحقق إذا ثبتت الرضاعة الشرعية، وفي حالة الخلاف بين الفقهاء يجب أن يتم التحاكم إلى القاضي، وحينئذ يتم الفسخ بحكمه فقط.

وبناء على الحيثيات المذكورة في السؤال، وما توصلنا إليه في فتوانا هذه، فإن النكاح صحيح ولا يحتاج إلى أي شيء لعدم ثبوت الرضاعة الشرعية، وبالتالي فلم يتحقق الفسخ.

هذا والله أعلم بالصواب

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

        كتبه الفقير إلى ربه

                                   أ.د. علي محيى الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث


[1] وهذا يسمى منسوخ التلاوة مع بقاء الحكم عند بعض العلماء، ولكن الراجح هو أن هذه التسمية تعود إلى إطلاق القرآن – من حيث العمل على السنة المعمول بها.

آخر الفتاوى