فتوى حول: جواز استبدال مشروع تجمع إفطار الصائم إلى توزيع الوجبات أو السلال الغذائية على الأسر المحتاجة، بسبب تداعيات وباء كورونا

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

فقد وردني استفسار من قطر الخيرية نصه: نظرًا للأوضاع الحالية التي تمر بها دولة قطر وغيرها من دول العالم بسبب انتشار فايروس كورونا، والتي انعكست آثارها على كثير من النشاطات والفعاليات ومن ضمنها مشاريع العمل الخيرية وخاصة مشروع إفطار الصائم والذي يعتبر تجمع للمسلمين، وبسبب خطورة انتشار فايروس كورونا بسبب التجمعات وضعنا خطة بديلة لتجمع إفطار الصائم واستبداله بتوزيع الوجبات أو السلال الغذائية على الأسر المحتاجة.

وعليه نطلب منكم الفتوى في صحة هذه الخطة البديلة.

فالجواب عنه:

أولاً – أود أن أبيّن فضل الصدقات في شهر رمضان المبارك حيث تدل الأدلة المعتبرة على أنها يتضاعف أجرها، ويزداد ثوابها، فقد بيّن الله تعالى أجر ذلك فقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) سورة الإنسان / الآية 8-12، بل جعل الله تعالى الصدقات مفتاحًا لدخول الجنة، بل للفردوس الأعلى إذا وصلت الصدقات إلى درجة الإيثار، كما في سورة (المؤمنون).

ثانيًا- أن ممّا لا شك فيه أن لإفطار الصائم أجرًا عظيمًا حيث قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا) رواه الترمذي (807)، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه (3429)، وغيرهما.

ولكن الطعام في اللغة، وفي الكتاب والسنة اسم جامع لكل ما يتذوّقه الإنسان فيشمل الطعام الجاهز، ومواده من القمح (أو الطحين) والرز واللحم ونحو ذلك، فمثلاً المراد بالطعام في قوله تعالى: (وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ) ذبائحهم سورة المائدة / الآية 5، وقد فسرّ الطعام في السنة بالبر في حديث أبي سعيد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصدقة الفطر صاعًا من طعام) أي صاعًا من قمح. رواه البخاري (1506) ومسلم (985)

وقال شراح الحديث الخاص بإفطار الصائم أن من فقهه: أن كل من أعان مؤمنًا على عمل برٍّ فللمعين عليه أجر مثل العامل.

وبناء على ذلك فإنه في مثل الحالة التي يعيشها المسلمون من الحجر الصحي أو المنزلي، أو منع التجوال، وغيرها من الإجراءات الاحترازية (وكلها مشروع بل مطلوب شرعًا حماية لمقصد النفس ودرءًا للتهلكة) فإن مَنْ قام بتجهيز سلة الطعام، مما يفطر به الصائم من القمح (أو الطحين) واللحم والرز ونحو ذلك، بل حتى قيمة إفطاره، فإنه ينال أجر ما ورد في الحديث بإذن الله تعالى.

فالعبرة بالنيّات والمقاصد، وبتحقيق الهدف، بل إن الصائم المحتاج يستفيد من سلة الطعام لنفسه وعائلته أكثر من أن يأكل طعامًا جاهزًا.

ولذلك أدعو أهل الخير بأن يتفاعلوا مع مشروع إفطار الصائم لقطر الخيرية من خلال سلات الطعام، وبقية مشاريعها، التي رأيناها دائمًا سباقة بالفضل والتوصيل، وأن يضاعفوا من سلات الأطعمة للفقراء الصائمين، حيث إنهم في هذا العام بسبب تعطيل العمل أصبحوا أشد حاجة، وقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة…..، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه…) رواه مسلم في صحيحه 2699.

هذا والله أعلم بالصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

        كتبه الفقير إلى ربه

                                   أ.د. علي محيى الدين القره داغي

 الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

                      وأستاذ الشريعة والاقتصاد الإسلامي بجامعة قطر

آخر الفتاوى