حكم التأمين على الضمانات في المؤسسات التي تصدر خطاب الضمان للأفراد أو المؤسسات

فضيلة الشيخ علي القره داغي حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد

نحن في مؤسسة ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية، ومن ضمن أعمالنا إصدار خطاب الضمان للأفراد، أو المؤسسات، وفي بعض الأحيان نحتاج إلى التأمين على ضماناتنا.

والسؤال: هل يجوز هذا التأمين؟

واستكمالاً للسؤال: عملائنا الذين يكفلون الآخرين يسألون: هل يجوز التأمين على ضماناتهم وكفالاتهم، أفيدونا أثابكم الله.

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد

بما أن هذا الموضوع جديد إلى حد كبير، وله أهميته، فإنني أفصل في إجابتي بعض التفصيل مع التأصيل، فأقول مستعينًا بالله تعالى:

1- أن المقصود بالضمان هناهو الكفالة، وليس ضمان المتلفات، والضمان يتحقق بالنسبة لموضوعنا هنا بأن تتعهد شركة التأمين باعتبارها وكيلة عن صندوق التكافل بدفع مبلغ الضمان للمضمون له إذا لم يستطع المضمون تحقيق موضوع الضمان في تنفيذ التزاماته الملزم بها لأي سبب.

وللضمان تطبيقات معاصرة ذكرها المعيار الشرعي رقم (5)، نذكر منها البند (7/1) المتعلق بخطاب الضمان لتعلقه بموضوعنا هنا:

1/1/7 لا يجوز أخذ الأجرة على خطاب الضمان لقاء مجرد الضمان، والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته، سواء أكان بغطاء أم بدونه

2/1/7 إن تحميل المصروفات الإدارية ومقابل الخدمات على طالب خطاب الضمان لإصدار خطاب الضمان بنوعيه (الابتدائي والنهائي) جائز شرعًا، مع مراعاة عدم زيادة على أجرة المثل. وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعى في تقدير المصروفات لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء

3/1/7 لا يجوز للمؤسسة إصدار خطاب ضمان لمن يطلبه للحصول على قرض ربوي أو عملية محرمة

2- حكم تأمين الضمان

حفاظًا على الإيجاز، نكتفي هنا في بيان حكم تأمين الضمان، ونلخصه بأن تأمين الضمان إن كان عن طريق التأمين التجاري فهو غير مشروع، وإن كان عن طريق التأمين التعاوني التكافلي (التأمين الإسلامي) فهو مشروع.

ومن المعلوم أن التأمين على الضمان، أو تأمين الضمان انما يجوز إذا كان محل الضمان مشروعًا ليس فيه شيء مُحرم من الربا، ونحوه، حيث لا يجوز ضمان الفوائد الربوية مطلقًا، ولا ضمان دين ناتج بسبب محرم.

3- دواعي تأمين الضمان

يشترك في تأمين الضمان أربع جهات أساسية:

الجهة الأولى: حساب التأمين الإسلامي الذي يقوم بهذا العمل زيادة في تقديم أكبر قدر ممكن من خدمات التأمين للأفراد والمؤسسات، وتلبيةً لمتطلبات مشروعات التنمية في البلاد، وتيسيرًا لإجراءات الاستيراد والتصدير، وتسهيلاً لتحقيق متطلبات البنية التحتية.

الجهة الثانية: المؤسسات المالية الضامنة، حيث تستفيد من تأمين الضمان في تحقيق غايته من استرداد المبلغ الذي دفعه حسب تسييل خطاب الضمان.

والدواعي لدى المؤسسات المالية الإسلامية للدخول في تأمين الضمان أكثر وأقوى من المؤسسات الأخرى، وذلك بسبب أنها لا تستطيع أن تأخذ أي فائدة عند تسييل الضمان وتأخير الدفع من قِبل المضمون، في حين أن البنوك التقليدية تحسب الفائدة المتفق عليها منذ تسييل الضمان، ولذلك فإن تأمين الضمان يُحقق منافع أكبر للمؤسسات المالية الإسلامية.

الجهة الثالثة: المضمون له، حيث يتحقق بتأمين الضمان توثيق أكثر، واطمئنان أكبر بأن المبلغ المضمون سيصل إليه بصورة أكثر تأكيدًا، إذا وجد في حقيقة الأمر ضامنين هما المؤسسة المالية الضامنة، وشركة التأمين الضامنة.

الجهة الرابعة: الشخص المضمون، حيث يستفيد من تأمين الضمان في عدم رجوع المؤسسة المالية الضامنة عليه، وتبرأ ذمته بذلك عن كل المبلغ أو جزء منه حسب الاتفاق.

4- تكييف تأمين الضمان

يُكيف التأمين على الضمان في التأمين التكافلي على أساس التبرع، وليس على أساس الكفالة، وبالتالي فلا تَرِدُ هنا مسألة الأجر على الضمان – كما سبق في القسم الأول. علمًا بأن التأمين مختلف تمامًا عن الضمان الفقهي، لأن التأمين لا يضم ذمته إلى المؤسسة المالية فقط، وإنما يدفع عنها المبلغ كله حسب الاتفاق دون الرجوع عليها، في حين الضامن في الفقه الإسلامي يرجع بما دفعه على المضمون.

5- أطراف تأمين الضمان

تتكون من أربعة عناصر وهم:

  1. مصدر خطاب الضمان، أي المحمي بالضمان (PROTECTED PARTY) وهو المؤسسة المالية الضمنة التي ستدفع المطلوب إذا فشل المضمون في تنفيذ التزاماته
  2. شركة التأمين التي أمّنت على مبلغ الضمان (SURET) والتي حلّت عند الدفع محل الضامن، أو بعبارة أخرى: هي التي تدفع نيابة عنه المبلغ المطلوب
  3. الشخص المضمون من قبل المؤسسة المالية (PRINCIPAL) وهو الطرف المكلف من قبل المضمون له بتنفيذ مضمون الضمان
  4. المضمون له وهو الشخص الذي يريد تنفيذ عمل ما بالشكل المطلوب، وهو أساسًا مضمون له للمؤسسة المالية الضامنة

فهذه الأطراف هي كلها مشتركة في تأمين الضمان بحيث نستطيع القول إنها أركان العملية بالإضافة إلى الأركان الموضوعية الأخرى، من صيغة العقد، والسبب.

6- التغطية في تأمين الضمان

تشمل التغطية الأساسية في تأمين الضمان التعويض عن الخسائر الناجمة عن فشل المضمون في تنفيذ التزاماته لأي سبب كان في حدود مبلغ الضمان الذي صدر به خطاب الضمان، وهو في الغالب قد يكون نسبة من تكلفة أعمال المشروع في حال ضمان من التنفيذ للمقاولات، أو نسبة من قيمة البضاعة في حال ضمان الرسوم الجمركية[1], أو نحو ذلك حسب الاتفاق المُبرم بين شركة التأمين والجهة المؤمنة عليها.

7- آلية عمل تأمين الضمان

لا تختلف الآلية لعمل تأمين الضمان كثيرا عن آليات شركات التأمين من حيث خطوات التنفيذ، والعقود المنظمة لعمل تأمين الضمان، ومن حيث الشروط المطلوبة، وكذلك الشروط المقترنة بالعقد، ونحن هنا نذكر ما ذكره المختصون حول آلية عمل التأمين في حالة ضمان تسديد الرسوم الجمركية، وضمان حسن التنفيذ:

أ – ضمان تسديد الرسوم الجمركية (GOVERNMENT BONDS)

مع تَوسع حركة الاستيراد وبُعد المستوردين من موانئ وصول البضائع, أصبح من المعتاد تخليص البضائع في الموانئ الجافة DRY PORT, أو بعد وصولها للمناطق الحرة أو مستودعات المستورد الخاضعة للرقابة الجمركية, ولكنها تكون بعيدة عن ميناء الوصول ويلزم ترحيلها برًا حتى تصل محطتها النهائية وتكون سُلطة الجمارك مستحقة للرسوم الجمركية منذ وصول البضاعة للميناء, لكنها تحصلها فعليًا بعد وصولها لمحطتها النهائية, لذلك تطلب تأمين ضمان من المستورد يضمن لها سداد الرسوم الجمركية إذا فشل المستورد في سداد الرسوم الجمركية بعد دخول البضاعة للبلاد, أو التصرف فيها, أو التهرب من دفع الرسوم الجمركية, أو فشله في تنفيذ تعليمات سُلطات الجمارك فيما يتعلق بالمستودعات المراقبة جمركيًا.

ب- ضمان حسن التنفيذ (PERFORMANCE BONDS)

في غالب الأحيان يُستخدم هذا النوع من الضمان في المشروعات الإنشائية، كالسدود والمصانع والمباني، فيطلب مالك المشروع “الدولة أو القطاع الخاص” ضمانًا من المقاول يضمن له التعويض في حال فشل المقاول من تنفيذ العملية على الوجه الأكمل، وعادة يكون الضمان نسبة مئوية من قيمة عقد المقاولة 10% مثلاً، فتقوم شركة التأمين بإصدار خطاب الضمان المطلوب بعد التأكد من كفاءة وملاءة المقاول مقابل اشتراك يُحسب بناءً على العوامل الآتية:

– خبرة المقاول في تنفيذ المشروع

– كفاءة وخبرات العاملين لديه

– طريقة بناء المشروع من حيث نوعه وكيفيته ومواصفاته

– توافر تأمينٍ ضد الأخطاء المهنية

– ملاءة المعدات والآليات المستخدمة في المشروع لنوع العمل

– مقدراته المالية[2]

فهذه الآليات الفنية مشروعة، بل ومطلوبة لتحقيق الغرض المطلوب من التأمين.

7- طالبو خدمة تأمين الضمان

وهم:

  1. الحكومات التي تعطي المشروعات للمقاولين، وكذلك الشركات التي تريد تنفيذ مشروعاتها، حيث تطلب خطاب الضمان، أو التأمين على الضمان
  2. شرطة الجمارك
  3. مقاولو مشروعات التنمية المحليين والأجانب
  4. منظمة الكومسيا (المستودعات الجمركية)
  5. المستوردون
  6. وكلاء بيع السيارات (المستودعات الخاضعة للرقابة الجمركية)
  7. المحاكم في بعض الأحيان

والخلاصة أن التأمين على ضمانات المؤسسة وكفالاتها، وعلى كفالات الأفراد جائز إذا كان عن طريق التأمين التكافلي بالضوابط التي ذكرناها.

وأما التأمين التجاري فقد صدرت بحرمته قرارات من المجامع الفقهية.

هذا والله أعلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


[1] عمر الفاروق أحمد الأمين: ورقته السابقة ص3

[2] عمر الفاروق أحمد الأمين: ورقته المُشار إليها سابقا، ص 3, 4

آخر الفتاوى