بنك يملك عقارًا ويرغب ببيعه من خلال الإعلان في الصحف الرسميّة..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

السؤال: البنك يملك عقارا ً ويرغب ببيعه من خلال الإعلان في الصحف الرسمية، فهل يحق للبنك من الناحية الشرعية بيعه لبنوك تقليدية إن تقدمت بطلب لشرائه، أم يحرم ذلك قياسًا على حرمة بيع العنب لمن يخشى أن يتخذه خمرا ً.

أفيدونا بارك الله فيكم

الجواب:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد

فإن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التفصيل الآتي:

أولاً – إذا كان العقار خاصًا بالسكن، أو للكراجات، والمخازن، أو بعبارة أخرى لم يكن خاصًا باستعماله في النشاط الربوي، كما هو الحال في الفلل والشقق الخاصة بالسكن العادي أو لم يعلم بأن المبنى يستعمل في النشاط الحرام، فإن هذا البيع صحيح عند جمهور الفقهاء، ولذلك أجاز الفقهاء حتى تأجير المبنى للسكن ولو كان الساكن غير مسلم، أو شخصًا يتعامل بالربا مثلاً خارج بيته.

ثانيًا – أما إذا كان المبنى خاصًا بالمكاتب الادارية للنشاط البنكي وعلم بأنه يستعمل في النشاط التقليدي (المحرم) فهذا محل اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من نظر إلى القصود والنيات والمآلات فحرم البيع في هذه الحالة ولم يصححه ما دام الظن الغالب أنه يستعمل في نشاط محرم مثل الربا، وهذا ظاهر توجه المالكية والحنابلة.

 ومنهم من نظر إلى الظاهر والواقع، وإلى أن أركان العقد وشروطه قد توافرت، وأن على العاقد الاعتماد على الظاهر وأن الله هو الذي يتولى السرائر والنيات والقصود وحينئذ أجاز هذا البيع، وهذا ظاهر توجه الحنفية والشافعية.

 وقد ذكر الشافعية دليلاً آخر وهو أن أيّ عمل يتوافر فيه المباشرة مع التسبب، فإن العمل ينسب إلى المباشر، وأن أي عمل يتم بالمباشر والوسيط فإنه ينسب أساسًا إلى المباشر، وبناءً على هذا فإن البائع قد باع عقاره إلى شخص (طبيعي أو معنوي) ثم قام هو باستعماله في نشاط محرم فإن المباشر هو ذلك الشخص وليس البائع.

 بالإضافة إلى ذلك فإن المحققين من علماء الأصول قد فرقوا بين خطاب التكليف مثل الايجاب والتحريم، وبين خطاب الوضع الذي يقوم على أساس الظاهر والواقع مثل الصحة والبطلان حتى في العبادات الشعائرية، فمن صلّى صلاة في أرض مغصوبة، فصلاته صحيحة، وإن كان عليه إثم الغصب.

ثالثًا – إذا لم يعلم نوعية الاستعمال – بحيث يكون المبنى قابلاً للمكاتب الخاصة بالبنك التقليدي وللمكاتب العامة (أي يؤجرها) وللسكن – ففي هذه الحالة يكون القول بالجواز والصحة أقوى من الحالة السابقة المذكورة في فقرة (ثانيًا).

رابعًا – أن السؤال المطروح: أن البنك (أو الشخص) يطرح مبنى للمزايدة ولا يقصد بيعه لشخص معين، ثم يشتريه بنك تقليدي، فهذا فيه سعة أكبر، لأن البيع لم يقصد بيعه لنشاط محرم، ولا لبنك تقليدي، وإنما وقع البيع عليه دون قصد، كما أنه من الناحية القانونية لا يستطيع أن يمنع البنك التقليدي من الدخول في المزايدة، أو منعه من إرساء البيع عليه.

 هذا هو الحكم في الظاهر مع توصيتنا دائمًا بتقوى الله تعالى، والابتعاد عن الشبهات وأنه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق: 2].

هذا والله أعلم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 كتبه الفقير إلى ربه

أ.د. علي محيى الدين القره داغي

الدوحة 15 جمادى الأولى 1436هـ

آخر الفتاوى